ابن رشد
201
تهافت التهافت
المعنى علم المخلوق ، فإنه لا أجهل ممن يعتقد أن علم اللّه تعالى لا يخالف علم المخلوق إلا من باب الكمية فقط ، أعني أنه أكثر علوما فقط . وهذه كلها أقاويل جدلية والذي يعتمد عليه أن علم اللّه واحد وأنه ليس معلولا عن المعلومات بل هو علة لها ، والشيء الذي أسبابه كثيرة هو لعمري كثير ، وأما الشيء الذي معلولاته كثيرة فليس يلزم أن يكون كثيرا بالوجه الذي به المعلولات كثيرة ، وعلم الأول لا يشك في أنه انتفت عنه الكثرة التي في علم المخلوق كما انتفى عنه التغير بتغير المعلوم ، والمتكلّمون يضعون هذا من أحد أصولهم ، وأما هذه الأقاويل التي قيلت هاهنا فهي كلها أقاويل جدلية . وأما قوله : إن قصده هاهنا ليس هو معرفة الحق وإنما قصده إبطال أقاويلهم وإظهار دعاويهم الباطلة فقصد لا يليق به بل بالذين في غاية الشر ، وكيف لا يكون ذلك كذلك ومعظم ما استفاد هذا الرجل من النباهة وفاق الناس فيما وضع من الكتب التي وضعت فيها إنما استفادها من كتب الفلاسفة ومن تعليمهم . وهبك إذا أخطئوا في شيء فليس من الواجب أن ينكر فضلهم في النظر وما راضوا به عقولنا ولو لم يكن لهم إلا صناعة المنطق لكان واجبا عليه وعلى جميع من عرف مقدار هذه الصناعة شكرهم عليها ، وهو معترف بهذا المعنى وداع إليه ، وقد وضع فيها التآليف ويقول : إنه لا سبيل إلى أن يعلم أحد الحق إلا من هذه الصناعة ، وقد بلغ به الغلو فيها إلى أن استخرجها من كتاب اللّه تبارك وتعالى ، أفيجوز لمن استفاد من كتبهم وتعاليمهم مقدار ما استفاد هو منها حتى فاق أهل زمانه وعظم في ملة الإسلام صيته وذكره أن يقول فيهم هذا القول وأن يصرح بذمهم على الإطلاق وذم علومهم . وإن وضعنا أنهم يخطئون في أشياء من العلوم الإلهية فإنا إنما نحتج على خطأهم من القوانين التي علمونا إياها في علومهم المنطقية ونقطع أنهم لا يلوموننا على التوقيف على خطأ إن كان في آرائهم فإن قصد هم إنما هو معرفة الحق ، ولو لم يكن لهم إلا هذا القصد لكان ذلك كافيا في مدحهم ، ومع أنه لم يقل أحد من الناس في العلوم الإلهية قولا يعتد به وليس يعصم أحد من الخطأ إلا من عصمة اللّه تعالى بأمر إلهي خارج عن طبيعة الإنسان وهم الأنبياء . فلا أدري ما حمل هذا الرجل على مثل هذه الأقوال أسأل اللّه العصمة والمغفرة من الزلل في القول والعمل . والذي حكاه عن صفة إيمان من اتبع الشرع في هذه الأشياء هو الذي